10 ديسمبر، 2023
ثقافة ديمقراطية
لنظام سياسي مستقر ومستدام (1)
الدكتاتورية العسكرية والدكتاتورية المدنية
إن حيوية الديمقراطية تنبع من قدرتها على التطور والتكيف مع الظروف المتغيرة وليس النصوص الجامدة. فنجاح المنهج الديمقراطي في بلد ما ليس بالضرورة تطبيقة يحقق ذات النجاح في بلدٍ آخر.ولتطبيق الديمقراطية هناك صورة مختلفة وفق الظرروف التاريخية وأوضاع المجتمعات التي تطبق فيها وتكويناتها الاجتماعية والسياسية.
التاريخ يحكي!
تاريخياً مرت على السودان ثلاثة فترات حكم ديمقراطي والأن هو في مرحلة إنتقال ديمقراطي رابعة.ارتبطت ممارسة الديمقراطية تاريخياً في السودان بالمشاركة المباشرة للمواطنين في إدارة شئون البلاد ، أو ما يعرف بالديمقراطية التمثيلية.والتي إرتكزت إدارة السلطة على قاعدة “الأغلبية”(Majority Rule).بوصفها آلية لانتخاب أعضاء البرلمان، وبالتالي اختزل الديمقراطية في أرقام ، ولا يعطي وزناً لرأي المعارضة ، والمرشح الأكثر أصواتاً هو الفائز بغض النظر عن نسبة هذه الأصوات من إجمالي الناخبين.
قاد هذا إلى فشل كل الديمقراطيات السابقة وقاد حزب سياسي باللجو إلى الطرق الأخرى لممارسة السلطلة ، فكان أقرب الطرق هو دعم إنقلاب عسكري على الأخرين ، وبالتالي إجهاض العملية الديمقراطية برمتها.
أين الحل؟
يبدأ الحل من إتباع قاعدة ذهبية. نطلق هذه القاعدة من التعددية المركبة التي يتمتع بها السودان، بإعتبار أن التعددية المركبة قد أنتجت اختلافات في المصالح تحتاج لإدارة تعترف بها والإقرار بوجودها وليس انكارها أو تجاهلها أو قمعها. فالإدارة الديمقراطية للاختلافات والصراعات تبدأ بالإعتراف بشرعية وجودها، وأنها لا تمثل تهديداً يُضعف وحدة المجتمع، وأن قوة المجتمع وتماسكه ينبعان من حق الأفراد والجماعات في التعبير عن مصالحهم.فالقاعدة الذهبية تقول (إن جوهر الديمقراطية يتمثل في إدارة الاختلافات والتنوعات في المجتمع بطريقة سلمية، إذ يقدم النظام الديمقراطي إطاراً مؤسسياً لتنظيم المصالح والآراء المختلفة، والتعبير عنها، والتوفيق بينها على أساس الاعتراف بشرعيتها جميعاً).
إرتبطت الديمقراطية في العصر الحديث بمفاهيم الكرامة والحرية والسلام والعدالة واحترام حقوق الإنسان والحفاظ على الأمن الإنساني . فالأولى الابتعاد عن النظام البريطاني القديم بمعنى أن تخرج فكرة المستعمر وأن تحل محلها فكرة سودانية . بإعتبار استمرار فكرة المستعمر هي أُس الأزمة السودانية واستمراريتها.
تتطلب الديمقراطية إدارة التعددية التي هي بدورها تتطلب قبول التنوع في العناصر والمضامين والمبادي ، بحيث يتمتع كل منها بالاستقلال، ولا يمتلك أحداها الحق أو القدرة على إلغاء أو نفي الآخر، حتى لانكرر الماضي أو خلق دكتاتورية حزبية أو بالمعنى الأوسع دكتاتورية مدنية، وهي أصعب الدكتاتوريات. فالشرعية في النظام الديمقراطي مصدرها الأغلبية والأقلية معاً. فالعقد الإجتماعي هو الحل.دون نظام الوعظ والإرشاد .
مدركات الانتقال الديمقراطي
بين الإجراء والغاية
لا يمكن ادراك مدركات الانتقال الديمقراطي إلا بالمقارنة وتحليل تجارب التطور الديمقراطي في دول ومجتمعات مختلفه0 وما أشد احتياجنا الانتقال إلى الديمقراطية في السودان.
الى هذه النظرة بدلا من الاستمرار في إنهاك عقولنا وتفكيرنا في البحث عن (خصوصيات) لا سند لها في الحقيقة إذا ما عرفنا ما حدث في الدول الأخرى0 والجديد .هنا نتساءل ماهة تلك (الديمقراطية) التي ننتقل اليها وهل هي- يهلل الباحثون الغربيون لها – مجموعة من المؤسسات والإجراءات المتعلقه بطريقة الوصول الحكم وتداول من يد الى اخرى، وهو ما يسمى الديمقراطية الإجرائية ؟ أو انها النظام الذي يؤدي إلى تبني الحكومات مجموعة من السياسات العامه التي توفر فرص الحياة المتساوية لأكبر عدد من المواطنين، وتحقيق العدالة الاجتماعية بين اللأفراد والجماعات والطبقات والمناطق، وهو ما يسمى مضمون الديمقراطية أو الديموقراطية الغائية؟ بعبارةأخرى: هل الديمقراطية هي مجموعة إجراءات تتصل بطريقة الوصول إلى السلطة وتداولها فقط، أو إنها تتعلق أيضا بجودة أدا نظام الحكم وقدرته على حل المشاكل التي يواجهها المجتمع وتوفير الحياة كريمة للمواطنين، أي أداء النظام وجودة الحكم؟
إن اهمية موضوع الديمقراطية تنبع من انها تتناول قضايا حيوية تشمل طبيعة العلاقات بين الحاكمين والمحكومين، وأساس الطاعة السياسية أو الإلتزام السياسي، والتوازن الضروري والمطلوب بين الحرية والسلطة والعدالة، وبين الحق والواجب، والعلاقة بين الدولة والقوى الاجتماعية، مدى تعبير الأولى- باعتبارها شكلا مؤسسيا وقانونيا- عن المجتمع باختصار، إن البحث في موضوع الديمقراطية هو بحث في الشرعية الدولية وشرعية النظم السياسية والاجتماعية.
الجديد في الأمر أن الثورات التي إجتاحت العالم العربي لم تقتصر على الدول المحكومة عسكرياَ ، بل امتدت في الدول ذات الحكم المدني أي ما أصطلح عليه بالحكومات الديمقراطية. فالوضع في العراق ولبنان شاهد على ذلك. ما يؤكد الأمر ليس الحكم الديمقراطي ، ولكن الأمر يحتاج لنظريات وتحليلات ورؤى جديدة تتواكب مع تطلعات الشعوب.
أما النموذج الأخر هو إزدياد وتصاعد المطالبة بتحقيق المشاركة والكرامة والمساواة والعدالة والحرية، وهي القيم الأثيرة لدي فلاسفة الديمقراطية. ولم تقتصر هزه المطالبات على المجتمعات التي خضعت لنظم سلطوية، بل امتدت إلى قلب عواصم دول الديمقراطية المستقرة ومدنها الكبرى، ففي اكتوبر 2011، انطلقت المظاهرات في قرابة ألف مدينة في خمسة وثمانون دولة، رفعت شعارات ضرورة كسر احتكار النخب وجماعات المصالح المنظمة النفوذ السياسي وإعادة السلطة إلى الشعب.
إذاً الأمر مرتبط بمراجعة الممارسات السياسية وأداء مؤسسات الحكم بهدف جعلها أكثر قرباً إلى الإنسان العادي وأكثر تعبيراً عن مصالحه. وهنا تبرز أسئلة يمكن نقيس عليها الوضع في السودان.هي ، كيف تعاملت النخب السياسية الجديدة التي وصلت للحكم بعد سقوط النظام السلطوي مع تحديات مرحلة الإنتقال إلى الديمقراطية، وإقامة مؤسسات العهد الجديد؟ وما العوامل المؤثرة في ذلك؟. ما المسار الذي أخذته المؤسسات الجديدة؟وهل قادت تفاعلاتها إلى تعزيز النظام الديمقراطي وتوطيد أركانه وتأسيس لما بعد الانتقال؟، أم إقامة نظم سلطوية جديدة.
المدنية في العالم العربي.. عن أي مدنية يتحدثون!؟
تسعى كثير من الدول العربية إلى تعزيز دور الجيوش في الممارسة السياسية بإعتبارها الضامن القوي للأستقرار السياسي والحفاظ على المسار الدستوري ومدنية الدولة وديمقراطيتها ومنعها من السقوط. وهنا يبرز سؤال ، ما هي الجهة التي يمنعها الجيش من محاولة سقوط الدولة المدنية والديمقراطية؟.هل هي الشعب الثائر ،أم هناك جهات آخرى تسعى لسقوط ديمقراطية الدولة.
من الثابت أن الدولة المدنية هي الدولة التي يشارك في إدارتها وعمليتها السياسية كل مؤسسات الدولة ومكوناتها دون إقصاء.ولتقريب المعنى معالجة العلاقة المدنية العسكرية. ويمكن أن نفهم أن المدنية التي ينادي بها الشباب الثائر، والتي تعني في نظرهم إبعاد القوات المسلحة من ممارسة العمل السياسي.وعليهم حماية المدنية وحراستها أي إبتعاد الجيوش من الإنقلابات العسكرية التي تقوض العملية الديمقراطية. ولكننا لن نفهم أن حكومة عسكرية إنقلبت على الديمقراطية والحكومة المنتخبة من الشعب،وتعدل دستورها لتمكين وتعزيز قبضة الجيوش و السيطرة على الحكم !؟، وتقول ذلك بهدف صون والحفاظ على الديمقراطية وحريات الشعوب والأفراد.
انفراد أي مكون من مكونات السياسية أو العسكرية بالسلطة والحكم وعدم فتح المجال للأخرين ، للمشاركة في العملية السياسية ومحاولة الإقصاء ،هذا يتعارض مع الدولة المدنية بمفهومها الأكاديمي والاستراتيجي الرصين. فالبلطة السياسية تقرر مفاهيم عن المدنية غير معروفة في القاموس السياسي المتعارف عليه.
عملية التحول الديمقراطي هي عملية ممتدة وقد تشمل عمليات ولها ارتداداتها ، ولكنه تحقق النجاح المطلوب بشرط أن تعالج الفترة الإنتقالية وتتصدى القوى السياسية لمعالجة القضايا الشائكة وعلى رأسها العلاقة المدنية العسكرية. ولايجب فتح كل الملفات القديمة في آن واحد.وبالتالي تكون المدنية هي عدم خضوع طرف مدني على طرف عسكري.ولا يمكن لحكم عسكري قابض ولم يفسح المجال للقوى السياسية أو الاجتماعي ممارسة العمل السياسي ولا يفهم أن يكون الجيش هو حامي وحارث الديمقراطية ، إلا إذا كان هنالك معنى أخر للديمقراطية لم تتطرق إليه الأضابير المعاجم السياسية والأكاديمية.
هذه مشكلة قادة العالم العربي الذي يتحدثون عن الديمقراطية والدولة المدنية في ظل حكومات عسكرية قابضة على زمام الأمور السياسية دون غيرها ، وتقول أنها حامية للديمقراطية والدولة المدنية . ويمكن أن نسأل أي مدنية وديمقراطية يتحدثون؟!.
شاهد المزيد
تأثيرات التباعد الاجتماعي في السودان
والبدائل الممكنة مقدمة طُبقت مستويات مختلفة من التباعد الاجتماعي في أنحاء العالم، بما في ذلك في…
الاستراتيجية الإعلامية لرفع الوعي المجتمعي
الاستراتيجية الإعلامية لرفع الوعي المجتمعي تجاه التحديات والمهددات السيبرانية في العالم العربي والإسلامي د. شمس الهدى…
إنها صفقـة القـــــــــرن يا “سادة”
إنها صفقـة القـــــــــرن يا "سادة" البحث جاري عن المطبعين إن الولايات المتحدة الأمريكية لها استراتيجية ،…
اخبار الجمعية
ترامب وصفقة تمكين إسرائيل
ترامب وصفقة تمكين إسرائيل كشف الرئيس الأمريكي دونالد…
حرب غزة تُعيد ترتيب ملفات ...
أصبح بما لا يدع مجالًا للشك أن الولايات…
تاريخ أمة معرض للزوال
ما يجري في السودان هو ذات السيناريو الذي…
المنامة تحتضن حوارًا استرتيجيًا
عقد بالمنامة عاصة مملكة البحرين، تحت مسمى…
ما وراء الأكمة؟ كُلَّ ما ...
يدعي الغرب أنه حامي الديمقراطية وراعي حقوق الإنسان…
اضف تعليق