13 يناير، 2024
إنها صفقـة القـــــــــرن يا “سادة”
البحث جاري عن المطبعين
إن الولايات المتحدة الأمريكية لها استراتيجية ، ولايطلع عليها إلا الرؤساء عند دخوله البيت الأبيض قبل ممارسة أي مهام رئاسية. وهي خطة تكون محفوظة لدى جهاز المخابرات الأمريكي(CIA)، وهي ثابتة في مسا رها العام، وتعتمد على التكتيكات في تنفيذها، ولا يحيد أي رئيس عنها. وتتضمن الاسترتيجية الأمريكية، أن تمثل إسرائيل احتياطيًا استراتيجيًا متقدمًا في منطقة الشرق الأوسط. وتبذل بكل ما في وسعها لتحقيق ذلك. وعلى هذا المنوال بُنيت الاستراتيجية الإسرائيلية التي تقوم عليها الأمبراطورية العبرية، هي حدود الدولة الإسرائيلية من النيل للفرات، وتعمل على ذلك. وتتماهى الولايات المتحدة الأمريكية مع هذه الخطة تنفيذًا وتمويلًا ، ومساندتها إعلاميًا وسياسيًا وأمنيًا، إنطلاقًا من مبدأ أن أمن أمريكا من أمن إسرائيل.
كان ترامب من أوضح الرؤساء الذين مروا على البيت الأبيض، لطرحة خط السلام لحل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، تلك الخطة التي أُصطلح عليها في الأدبيات السياسية والإعلامية بصفقة القرن. وتشمل الخطة إنشاء صندوق استثمار عالمي لدعم اقتصاديات فلسطين والدول العربية المجاورة. فبدأت التسريبات لجس النبض وردة فعل الدول العربية والإسلامية، وكان صهر الرئيس ترامب(كوشنير) عرابها والمشر بها في المحيط العربي، وشد الرحال في زيارات ماكوكية وجال بين عواصم الدول العربية، وأكد في أكثر من موقع أن أمريكا تريد أن ترى السلام والإزدهار والأمن يتحقق للإسرائليين والفلسطنيين والجميع، وأن انعاش الاقتصاد الفلسطيني لا يُمكن أن يحدث إلا عبر حل الصراع مع إسرائيل.
كانت زيارة جاريد كوشنر مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لحضور ورشة عمل تحت عنوان “السلام من أجل الازدهار”برعاية الولايات المتحدة بشأن التنمية الاقتصادية في الأراضي الفلسطينية، ضمن مبادرة أميركية أوسع لحل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، في ظل غياب الجانب الفلسطيني. تلك الورشة التي بشر فيها كوشنر عندما قال: “إن رؤية الازدهار من أجل السلام تعتبر جزءا من الرؤية لتحقيق السلام، وتابع “تحقيق النمو للشعب الفلسطيني مستحيل من دون حل سياسي وعادل ومنصف”. وأضاف “تخيلوا مركزا نابضا بالاقتصاد في الضفة يحقق الازدهار لشعوب المنطقة”، موضحا أن الهدف من خطة السلام تشمل تقديم مناخ يجذب المستثمرين لمنطقة الشرق الأوسط. جمع استثمارات بخمسين مليار دولار على مدى عشرة أعوام”. وخاطب الفلسطينيين بالقول إن ورشة المنامة هي لكم والرئيس ترامب لم يتخل عنكم. كما قال إن ما يجري ليس صفقة القرن بل هي فرصة القرن من أجل خلق فرص للشعب الفلسطيني.
صدرت تقارير صحفية عديدة تناولت تلك الصفقة، وتم تلخيصها في حل القضية الفلسطينية بإقامة دولة فلسطين بدون جيش في الضفة الغربية وقطاع غزة، وقيام مصر بمنح أراضي إضافية للفلسطينيين من أجل إنشاء مطار ومصانع للتبادل التجاري والزراعة دون السماح للفلسطينيين للعيش فيها، وإنشاء جسر معلق يربط غزة مع الضفة الغربية لتسهيل الحركة.

كانت ردة الفعل الرافضة لتسريبات الصفقة قوية، باعتبارها تصفية للقضية الفلسطينية لصالح إسرائل وتهجير شعب غزة أولًا إلى مصر(سينا)، ثم تتبعها تهجير سكان الضفة للأردن، على يواكب تلك التنفيذات أو قبلها إجراء عملية تطبيع الدول العربية مع إسرائيل، واستخدمت الولايات المتحدة الأمريكية سياسة الجزرة والعصاء في ذلك، فبدأت الرحلات بين رؤساء بعض الدول، وعقد لقاءات مع القيادات الإسرائلية هنا وهناك، اثمرت تلك اللقاءات عن تطبيع بعض الدول العربية مع إسرائيل ، وحدث تبادل للسفراء، فيما لم ينجح عدد كبير منها نتيجة الرفض الشعبي لعملية التطبيع .
كشفت الحرب الإسرائلية على غزة، والدعم الأمريكي والغربي اللامحدود لإسرائيل والخطوات المتسارعة للرئيس بايدن وتبنيه لبعض الرواية التي أطلقها الناشطين الإسرائليين عن ذبح حركة حماس الأطفال الإسرائليين. فكانت سقطة ما كان لها أن تخرج من رئيس لدولة كالولايات المتحدة الأمريكية، وظن أن اللحظة التي يُمكن أن تكون نهاية حماس قد أزفت. ولكنها كشفت في ذات الوقت سير بايدن على ذات النهج الترامبي، رغم كثرت حديثهم المتواصل والمتكرر عن حل الدولتين، في وقت لم تحرك الولايات المتحدة أو دول مجلس الأمن تنفيذ ذلك القرار، ولايُذكر حل الدولتين إلا عن نشوب حرب، أو الحديث عن التطبيع.
فالأمر برمته خدمة لمصالح دول أخرى لا تريد ظهور حركة حماس على المسرح والمشهد السياسي.
خطوات تنفيذ صفقة القرن تتم عبر عدد من المراحل، المرحلة الأولى،هى، تكوين ترسانة عسكرية قوية للتعامل مع أي تهديد خارجي، فكان لها ذلك. ثم تأتي مرحلة التطبيع مع الدول العربية مع، وقطع شوط طويل في تحقيق ذلك، وتأتي المرحلة الثالثة فرض الأمر الواقع في الداخل الفلسطيني وتصفية القضية وازاحة حركة المقاومة من المشهد، وإنهاء عملية المقاومة في قطاع غزة، وتهجير وإقامة المستوطنات، ووقفت على حدود الدول الأكثر تشددًا وحساسية تجاه العلاقة مع إسرائيل. بمساندة وغض الطرف من قبل مجلس الأمن الدولي فحاولت حكومة نتياهو الوصول إلى مراحل متقدمة ، فكان الحصار هو الأداء التي استخدمتها إسرائيل، ولكنها تفاجأت بتطور سلاح المقاومة.
هل ما يحدث في السودان
له علاقة بصفقة القــــــــــــــــرن
تعمل الولايات المتحدة الأمريكية في المحيط الخارجي وتستغل نفوذها لمواجهة أي مهدد محتمل في وجه إسرائيل، وبدأ يتكشف الأمر بربط الولايات المتحدة الأمريكية أي مفاوضات مع أي دولة أخرى بالتطبيع مع إسرائيل. وكان ذلك حاضرًا في المفاوضات الأمريكية مع السودان، حيث ربطت رفع العقوبات عن السودان بالتطبيع مع إسرائيل. وهذا الأمر ليس بجديد. وسبق وأن أقام معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي محاضرة عن الاستراتيجية الإسرائيلية في المنطقة، ألقاها وزير الأمن الإسرائيلي الأسبق ديختر عام 2008، وذكر أن الحقائق التاريخية والجغرافيا قد جعلت من السودان أهمية كبيرة على المسرح الإقليمي والدولي، حيث لخص في تلك المحاضرة أن الرؤية الاستراتيجية تجاه سبعة دول من ضمنها السودان في مقولة”إن إضعاف تلك الدول واستنزاف طاقتها وقدرتها هو واجب وضرورة من أجل تعظيم قوة إسرائيل، وترسيخ منعتها في مواجهة الأعداء هو ما يحتم علينا استخدام الحديد والنار تارة، والدبلوماسية ووسائل الحرب الخفية تارة أخرى”.وقال أن السودان بموارده الكبيرة وبمساحاته الشاسعة، من الممكن أن يصبح دولة إقليمية قوية منافسة لدول المنطقة، ويجب عدم السماح لهذا البلد بأنة يصبح قوة مضافة إلى العرب.
ربط تلك المعطيات يُمكن أن تفسر ما يحدث في السودان من حرب مدمرة لها علاقة بهذا الموضوع، خاصة وأن سبقتها لقاءات للقادة والمسؤوليين السودانيين، أبرزها لقاء رئيس مجلس السيادة الانتقالي برئيس الوزراء الإسرائيلي في عنتبي الأوغندية، ثم توالت القاءات والزيارات المتبادلة بين السودان وإسرائيل، شاركت فيها قيادات الدعم السريع تلك اللقاءات والزيارات التي لم تتحدث عنها وسائل الإعلام، ويبدوا أنها كانت تدور خلف الكواليس بدعم إقليمي ، كما كشفتها حرب تمرد الدعم السريع، التي صاحبتها بعض عبارات التماهي بين الدعم السريع وإسرائيل التي صرح بها مستشاري الدعم السريع، حين ذكر المستشار السياسي لقائد “الدعم السريع” في مقابلة مع قناة إسرائيلية ما نتعرض له واجهته إسرائيل آلاف الهجمات التي يشنها الجيش السوداني على قواته بـ”هجمات حركة حماس الإرهابية” ضد إسرائيل.
كما استقبل رئيس مجلس السيادة بمكتبة في الخرطوم وزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهين. وبحسب بيان للمجلس فقد بحث اللقاء إرساء علاقات مثمرة مع إسرائيل، إضافة إلى تعزيز التعاون المشترك بين الجانبين في المجالات الأمنية والعسكرية، إضافة إلى مجالات الزراعة والطاقة والصحة والمياه والتعليم.
وسبق ذلك أن وقع وزير القضاء السوداني نصر الدين عبد الباري في حكومة عبدالله حمدوك ، على اتفاق التطبيع مع “إسرائيل”، في مراسم رسمية في العاصمة السودانية الخرطوم، وبحضور وزير الخزنة الامريكية “ستيف منوتشين. وصرح الوزير السوداني وقتها أن بلاده تبارك التقارب الكبير بين “إسرائيل” ودول المنطقة وانطلاق العلاقات الديبلوماسية معها.
إن صفقة القرن هي خطة متكاملة لها أبعادها وأمتداداتها وارتداداته على المنطقة بدولها العربية والإسلامية معًا لأن الهدف هو دولة إسرائيل الكبرى. وإن كانت فلسطين وحرب غزة هي رمزيتها. صرحت غولدا مائير الأمين العام لحزب (ماباي) الحاكم وقتها في اجتماع اللجنة السياسية للحزب بأنها تؤيد”التخلص من العرب”[1]. وبدأت رحلة التخلص من العرب بأيدي العرب، بل تطور التخلص من أي مؤشر لمقاومة إسرائيل بأيادي غير إسرائيلية، مما يجعلنا نبحث عن المنفذين للاسترتيجية الغربية ــــــــــــــــ الإسرائيلية في المنطقة، ومن هم الذين يمثلون مخالب تنفيذ صفقة القرن. ومجرد سؤال هل ما يحدث في السودان يصب في ذات الاتجاه؟. وهناك ربما اجابات عديدة لهذا السؤال، ولكنه يظل مفتوحًا لحين.
كشفت حرب غزة عدم قدرة الأنظمة العربية في المجمل على اتخاذ قرارات تُعبِّر عن الرأي العام العربي وتواكب طموحات الجماهير، فكسر حصار غزة لم يكن أكثر من وهم لم يتحقق، كما أن منع الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني ووقف إطلاق النار كان هدفًا صعب المنال من منظور العرب، وذلك لعدم وجود إرادة حقيقية لوقف المجازر؛ فالشارع العربي وصل إلى مرحلة غير مسبوقة من رفض ما يحدث، ولا نستبعد ربيعًا عربيًا آخر نُصرةً لفلسطين[2].
[1] – ريدة عُمانالصادرة بتاريخ 26نوفمبر2023، العدد 15017
[2] -محمد بن عوض المشيخي، أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري، جريدة الرؤية العمانية26نوفمبر2023، العدد3736
شاهد المزيد
تأثيرات التباعد الاجتماعي في السودان
والبدائل الممكنة مقدمة طُبقت مستويات مختلفة من التباعد الاجتماعي في أنحاء العالم، بما في ذلك في…
الاستراتيجية الإعلامية لرفع الوعي المجتمعي
الاستراتيجية الإعلامية لرفع الوعي المجتمعي تجاه التحديات والمهددات السيبرانية في العالم العربي والإسلامي د. شمس الهدى…
إنها صفقـة القـــــــــرن يا “سادة”
إنها صفقـة القـــــــــرن يا "سادة" البحث جاري عن المطبعين إن الولايات المتحدة الأمريكية لها استراتيجية ،…
اخبار الجمعية
ترامب وصفقة تمكين إسرائيل
ترامب وصفقة تمكين إسرائيل كشف الرئيس الأمريكي دونالد…
حرب غزة تُعيد ترتيب ملفات ...
أصبح بما لا يدع مجالًا للشك أن الولايات…
تاريخ أمة معرض للزوال
ما يجري في السودان هو ذات السيناريو الذي…
المنامة تحتضن حوارًا استرتيجيًا
عقد بالمنامة عاصة مملكة البحرين، تحت مسمى…
ما وراء الأكمة؟ كُلَّ ما ...
يدعي الغرب أنه حامي الديمقراطية وراعي حقوق الإنسان…
اضف تعليق