10 ديسمبر، 2023

العوامل الداعمة لنجاج عملية الانتقال السياسي
الحالة السودانية في الميزان


أثبتت التجارب أن كل مجتمع إذا أراد أن يححق عملية انتقاله الديمقراطي من نظام سلطوي إلى نظام ديمقراطي عليه أن يضع تجربته الخاصة لإنتقاله السياسي إلى الديمقراطية، ولا يوجد نموذج وقالب ناجح لتقليده وتطبيقه، بإعتبار لكل مجتمع عاداته وتقليده وأعرافه وتعددياته وإن تشابهت مع دول أخرى. فعملية الانتقال لاتحدث من فراغ، بل تدور تفاعلاتها في سياق اجتماعي محدد يشمل سمات النظام الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والسياسي المتبعة في ذلك المجتمع.
السودان أحد الدول التي لها تجارب غنية بالعبر والمعاني في عملية الانتقال السياسي من حكم عسكري إلى حكم مدني منذ استقلاله في العام 1956م. ولكنه في ذات الوقت منذ ذلك التاريخ لم تتوفر له القدرة على انتاج نموذج انتقال سياسي يُفضي إلى تحول يُوسس لحكم ديمقراطي . الأمر الذي أدخله في حلقة شريرة قوامها تجربة ديمقراطية قصيرة فاشلة تنتهي بإنقلاب عسكري تعقبه ثورات شعبية تطيح بالحكم العسكري ثم فترة إنتقالية أخرى وهكذا . هذا الوضع لا نريده أن يستمر، لذلك نبحث عن العوامل الذي يعصم من أن لا تتكرر تلك الحلقة أو تستمر . وأهم تلك العوامل:

العامل الأول: استقرار مفهوم الدولة

يعني مفهوم الدولة ،يعني قبول عامة بالحدود الجغرافية للدولة ، وغلبة مشاعر الانتماء الوطني لشعبها، علاوة على التوافق مكونات الجماعة السياسية ومفهوم الهوية الوطنية. استقرار هذه السمات يقصر الاخلافات مهما كانت حدتها على شكل نظام الحكم ومضمون السياسات العامة. والعكس عندما تكون أسس الدولة محل شك ، تكون هناك مطالبات بالانفصال عنها أو إعادة النظر في حدودها، فإن عملية الانتقال إلى الديمقراطية تصبح أكثر صعوبة. بعد معايرة هذا العامل مع الوضع الإنتقالي في السودان وما يجري فيه نلاحظ الأتي:
 ليس هناك قبول عام بحدود الدولة السودانية ، بل يوجد عدم احتراف بعض المكونات المجتمعية بهذه الحدود.
 توجد بعض الفئات التي لا تعترف بإنتماؤها الوطني للسودان ، بل أنها لا تشبه عادات وتقاليد السودانيين ، بل تجاهر بأن إتنماؤها لدولة أخرى.
 ليس هناك توافق اجتماعي على هوية السودان هل هو دولة عربية أم نزجية. وليس هناك اتفاق أن السودانيين هم مجموعات أثنية متداخلة ومترابطة مع بعضها البعض.
 تعتبر بعض المكونات للمجتمع السوداني أن أُسس الدولة محل شك ، هذا أدي بدوره بارتفاع المطالبات بالانفصال عنها ،أو بإعادة النظر في حدودها.
هذه الأوضاع وبهذا الشكل تكون معوقاً أساسياً لنجاح عملية الانتقال السياسي في السودان، وتُصعب من تحقيقه.حسناً بدأ الفترة الإنتقالية التي أعقبت ثورة ديسمبر 2018، وفي وثيقتها الدستورية أن نصف العام الأول منها لتحقيق السلام،وكن شابها قصر النظر في مفهوم السلام بمعناه الشامل الذي يحقق الاستقرا، فاتجهت بكلياتها إلى وقف الحرب وتحقيق سلام البندقية ، ولكنها أهملت بل عمقت شقة السلام المجتمعي ، بقيادة توجهات لا تقود إلى عملية أنتقال سياسي تُأسس لحكم ديمقراطي.
عموماً . إذا كانت الديمقراطية تقوم على مبدأ سيادة الشعب ، فإن من الضروري أن تكون حدود هذا الشعب ومكوناته واضحة، وإذا كانت الديمقراطية تضمن الحقوق السياسية والاجتماعية للمواطنين . فإنه يكون من الضروري الاتفاق حول من هم هؤلاء المواطنون الذين ينبغي أن يتمتعوا بالحقوق الديمقراطية في إطار جغرافي محدد.
إن وجود تقاليد الدولة والاعتراف بحق مؤسساتها في تطبيق القانون وإيقاع العقاب على مخالفيه وهما الشرطان الرئيسة لنجاح عملية الانتقال وسرعتها. فالدولة هي الوحيدة التي تمتلك حق فرض الالتزام بالقانون وقواعده. ومن دون حكم القانون لا تكون هناك ديمقراطية. واختم بسؤال أين وضعنا الانتقالي من كل ذلك؟.

العامل الثاني: القبول بشرعية الحكومة الانتقالية

يُعتبر قبول شرعية الحكومة التي تكونت لقيادة الفترة الانتقالية من قبل الفاعليين الأساسيين أمر في غاية الأهمية لنجاح الانتقال السياسي. وأهمية الشرعية يأتي نتيجة أن الفترة الانتقالية هي مرحلة مهمتها الأساسية هي تأسيس لمرحلة التحول الديمقراطية. وتضع قواعد تنظيم التنافس السياسي الديمقراي الذي وفقاً له تجري الانتخابات العامة. لذلك تمثل ثقة أطراف المجتمع السياسي من أحزاب، وجمعيات مجتمع مدني ، وحركات احتجاجية بالحكومة الانتقالية والقبول بشرعيتها عنصراً مهماً في عملية الانتقال.
ترتكز شرعية الحكومة الانتقالية على قدرتها على تطبيق القانون ووضوح القواعد الحاكمة لسلوك المشاركين في العملية السياسية واستقرارها والجدية في تطبيقها بحياد ونزاهة على كل الأطراف بواسطة نظام قضائي مستقل وأجهزة حكومية فعالة. وتأتي أهمية وضوح القواعد القانونية وجدية تنفيذها إلى أنها توفر لأطراف العملية السياسية القدرة على التوقع وتقلل من حالة عدم اليقين، وتزيد من ثقتهم بها.
الوضع الآن؟
جاءت الفترة الانتقالية تحمل في طياتها سقوفات عالية من قبل الشباب الذي قاد الثورة بطريقة مثالية تختلف عن ثورات أكتوبر 1964م وأبريل 1985م. حيث قادها شباب بوعي متحضر بعيداً عن القوى السياسية التقليدية في السودان.وسرعان ظهرت بوادر نجاحها حاولت القوى السياسية والأحزاب بكل أشكالها السطو عليها فتزعمت قيادات الأحزاب المشهد ونسجت عليه خيوطها التي سممت الشعب السوداني منذ الاستقلال ، وشاركت في كل الإنقلابات العسكرية التي أجهضت تجارب التحول الديمقراطي.من هذه الخلفية التاريخية من البديهي لم تجد الفترة الانتقالية القبول النسبي الذي يؤهلها لقيادة الفترة الانتقالية. في ظل تعامل الحكومة الانتقالية بذات المنهج الذي ساهم في تصاعد حدة عدم القبول بشرعيتها. كما ركبت القوة التي قادت المرحلة (قوى الحرية والتغيير) ذات الموجة ، وقادت حملة ومظاهرات في الشارع العام تقدح في عدم قبول شرعية الحكومة الانتقالية احتجاجاً على المكون العسكري في الحكومة الانتقالية لاسيما ولاة الولايات.يقابل ذلك عدم قبول بعض القوى السياسية التي ركبت موجة الثورة بعد نجاحها وأصبحت من أكبر المعارضين لسياساتها ، وفي المرتبة الثانية في عدم القبول بها بعد القوى السياسية التي ساندت النظام السابق.
يتوقع أن يؤثر هذا الوضع في التأسيس الصحيح والاستراتيجي لمرحلة العمل الديمقراطي عقب الانتقال. ويمكن أن يساهم بقدر كبير في إعادة السيناريوهات الماضية واستمرار (الحلقة الشريرة)، خاصة بعد تنامت حالة عدم ثقة في الحكومة الانتقالية وعدم قدرتها على تحقيق تطلعات شباب الثورة. واجه ذلك عدم قدرة على بسط هبية الدولة والقانون وترك الأمر لأهواء العداوات السابقة التي أفشلت التحول الديمقراطي الذي يؤسس لحكم ديمقراطي مستقر. وكان لعدم شمولية الوثيقة الدستورية وعدم حيادية ونزاهة تطبيقها، أدى إلى عدم احراز نتايج ملمؤسة للشعب السوداني وجماهير الثورة ، الأمر الذي سلامة سلوك المشاركين في العملية السياسية ، أدي إلى عدم اليقين في مستقبل التحول الديمقراطي المستدام.

العامل الثالث: استمرار مناخ الكتلة التاريخية

تنبع أهمية استمرار مناح الكتلة التاريحية من أنه في أعقاب سقوط النظام تبرز مختلف أنواع الصراعات والتناقضات المكبوتة والتي تأخذ شكل الصراعات القومية، والمصالح الفئوية المطالبية، والانقسامات السياسية، وذلك في الوقت نفسه الذي تنشغل فيه القوى الثورية باقتسام السلطة في مؤسسات النظام الجديد. ويكون من أهم التحديات الاحتفاظ بقدر من التنسيق فيما بينها بما يسمح باستكمال مهمات الانتقال السياسي إلى الديمقراطية، بمعني أن لا يهدد الانشغال والاختلافات حول تقسيم السلطة في النظام الجديد استمرار روح الوحدة الوطنية [1].
أين موقع السودان من هذا العامل؟
ترتكز الديمقراطية على الأحزاب خاصة التي كانت قائمة قبل سقوط النظام السابق. فالكتل التاريخية في السودان لها خلافاتها التي دائماً ما تقود إلى دعم الإنقلابات العسكرية، كما يكتنف الكتلة الوطنية في السودان عداء أيدولوجي تاريخي التيار الإسلامي والتيار اليساري، وهناك قوة كتلة سياسية تتحرك بين التيارين وهي أكثر الكتل تقليدية تتأرجح بين التموضع يساراً ويميناً الأمر الذي أفقدها كثيراً من بريقها وجاذبيتها السياسية. ودائماً ما تظهر التناقضات المكبوتة عبر الثورة أوالإتنفاضة، فيما تلجأ بعض الكتل إلى الطلاب والاتحادات الفئوية والنقابات، ولكنها في ذات الوقت تحاول استغلال ذلك للنيل من الخصوم أو تشويه صورة الأخر دون مراعاة للمصلحة الوطنية.
دخلت الكتل الوطنية في صراع داخلي عقب الثورة لنسب ما حدث إليها . بالتالي تنشغل بأقتسام السلطة ، كما حدث في اختيار الوزراء والولاة واقتسام النظام الجديد (المحاصصة) ، وبالتالي انفرط عقد التنسيق بينها لاستكمال تأسيس مهمات الانتقال السياسي للديمقراطية. وظهر عدم التنسيق بين مكونات الثورة (الأصليين والمتسلقين ) ، ما افقد تلك المكونات روح الوحدة . هذا بدوره يهدد مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية. فالانتقال هو مرحلة وحدة الكتله التاريخية التي ركبت الموجة والثوار للمساهمة في أنتاج دستوري متوازن ومقبول بين مكونات الشعب يُفضي إلى تحول ديمقراطي يحافظ على الوضع الديمقراطي والتداول السلمي للسلطة. ويمنع ويعصم من أي انتكاسات مسار الديماطية.
الوضع في السودان من خلال مرحلة الانتقال الماثلة الأن والخطوات المتبعة لاتخدم مرحلة ما بعد الانتقال ، مما بنذر بفشل التحول الديمقراطي ، والسبب هو استمرار مناخ الصراعات المناكفات السياسية وحالة التشرزم في الكتلة الوطنية . وتحول من مرحلة الانتقال إلىمرحلة الانتقام ، واتساع الشقة بين الثوار والكتلة التاريخية .

العامل الرابع: إدماج الفاعلين الرئيسيين

إذا كانت إحدى مثالب النظم السلطوية هي إقصاء بعض القوى أو الفاعلين السياسيين. مما أدي إلى ابتعاد مؤسسات الحكم عن تفاعلات المجتمع، فإنه من المهم في عملية الانتقال إلى الديمقراطية أن تُصمم نظم الانتخاب والتمثيل بما يضمن مشاركة الفاعلين الرئيسين، ويتيح لهم فرصة المساهمة في صياغة القواعد الجديدة لتنظيم الحياة السياسية، ويضمن التزامهم باتباعها وقبول نتائجها [1].
إن أهمية السعي إلى إدماج مختلف القوى السياسية والاجتماعية تنبع من هدف الانتقال الديمقراطي، هو إقامة (بناء يشارك فيه الجميع)، مما يتطلب البحث عن أرضية مشتركة بين الفاعلين المختلفين، والسعي إلى كسب تأييد أكبر قطاع من المواطنين بمن لا يتعاطفون مع الديمقراطية، وذلك بهدف إزالة المخاوف المتبادلة بين الأطراف [2].
رؤية عن حالة السودان الأن
يمر السودان بمرحلة انتقالية عقب سقوط النظام السابق بحالة عدم اعتدال الصراع السياسي ، بسبب عدم وجود نخب سياسية وقيادات توافقية أو معتدلة تسعى إلى التواصل وبناء التفاهمات الاتفاقات مع الأطراف الأخرى.فإن الاعتدال يكون نتيجة لإدراك القيادات حجم التكلفة والثمن المترتبين على اتخاذ مواقف متشددة. وعدم الاعتدال هذا قاد إلى تقليل الفرص لإدماج الفاعليين الرئسيين لانجاح عملية الانتقال السياسي، أو بالأصح عملية التأسيس لمرحلة ممارسة العمل الديمقراطي.
مرحلة التأسيس الديمقراطي أخذت منحى لا يساهم أو يؤسس إلى تصميم نظم لمرحلة لما بعد مرحلة الانتقال. بل ارتفعت قيمة التناقضات والانفجارات الإثنية والاجتماعية والفئوية، ولم يقابل ذلك تهدئة من خلال نظم تمثيل المصالح للقوي السياسية التي تشكل المسرح السياسي ، وسطت قوى سياسية أعتلت المشهد السياسي ، ولكنها لا تملك قدر معقول على المسرح السياسي. هذا الأمر أعاق إدماج الفاعليين الرئيسسن في المسرح السياسي. فبدأن عملية الطرق على التفريق والتأثير في العلاقة العسكرية – المدنية ، في ظل سعي المؤسسة العسكرية قد مارست دوراً مهماً في صنع والحفاظ على النظام الجديد ، لاسيما في مرحلة الانتقال السياسي.خاصة وأن تجربة المعارضة في السودان ،أن سلوكها السياسي تنظر للجيش ورقة ضغط على الحكومة، وأن الانتخابات ليس الوسيلة الوحيدة للوصول للسلطة في السودان. مما يؤكد أن عملية الاندماج السياسي هي انجع الطرق لتأسيس لنظام ديمقراطي مستدام من خلال فترة الانتقال السياسي.

اضف تعليق

لا توجد تعليقاً على هذا التطبيق بعد

شاهد المزيد