18 ديسمبر، 2023

مقدمة

شعرت فرنسا منذ العام2008 أن موقعها في القارة الأفريقية بدأ في الاهتزاز، وذلك عندما  أصدرت  الكتاب الأبيض  في تقيمه لأوضاع المنطقة الممتدة من مورتانيا إلى الصومال، حيث حدد الكتاب الأبيض التهديدات للمصالح الاستراتيجية الفرنسية، معتبرًا أن مشاكل إفريقيا لها آثار مباشرة على مصالح فرنسا، ترى فرنسا أن إفريقيا ليست فقط جزءًا من ماضينها  بل هي  أيضًا جزء من مستقبلنها[1]. عزت ذلك إلى ما اسمته الفشل المتكرر لهياكل وأجهزة الدول، والاتساع المطرد للمناطق الخارجة عن القانون، ووجود شبكات إجرامية لها إمكانيات عسكرية هامة يتعد بها..تُعتبر من عوامل القلق. من مشاكل إفريقيا الهجرة غير الشرعية والتطرف الديني في المناطق الإسلامية، ونمو الطوائف الإصولية في المناطق المسيحية، وإنشاء طوائف إرهابية، وظهور طرق جديدة يسلكها المجرمون لتهريب السلاح[2].

المأزق الفرنسي في أفريقيا

 والسيــــــــــــــــــــــــــاق التاريخـــــــــــــــــــــي

هذا العنوان مستعار[3]من بعض المقالات عن مأزق فرنسا مؤخرًا في إفريقيا. حيث تناول ذلك المقال التطورات الأفريقية الأخيرة –التي يتعلق جزء منها بالتمرد ضد النفوذ الفرنسي– تغري باستدعاء فكرة السياق التاريخي لتبيان كيف تتراكم تحولات وتطورات دولية لتشكل هذا السياق. والمشكلة في حال النموذج الفرنسي أنه كان دوماً تعبيراً عما وصفته سابقاً بالمسار المتعرج للنفوذ والدور الدولي.

استطاعت فرنسا الاحتفاظ بنفوذها في مستعمراتها في أفريقيا، حيث تعاملت مع تلك المستعمرات بهدوء وتجاوبت مع دعاوى الاستقلال من دون مواجهات عسكرية في معظم الأوقات، ومع تباين واختلاف سنوات استقلال مستعمراتها في غرب أفريقيا حافظت بشكل أو بآخر على روابطها ونفوذها مع معظم النخب السياسية والفكرية الذين استقبلتهم تعليمياً وربما أيضاً في منظومة مصالح شخصية، وباستثناء حالات محدودة من تمرد هذه النخب فقد واصلت الأخيرة علاقة تبعية سياسية وثقافية لهذه البلدان وتدخلات في الحياة السياسية للحفاظ على هذا النفوذ ومعها مواصلة مصالحها الاقتصادية.

رغم أن الدور الفرنسي كان دومًا مذبذبًا، وأقل ما يُصف ب”المسيرات المتعرجة” منذ الثورة الفرنسية. قد فقد عدد من مستعمراته، فسار على هذا الطريق المنحدر، وفقدت السياسة الفرنسية كثيراً من زخمها واستقلالها في المنظومة الغربية ، والشواهد الآن تقول إن الأمور تسير بوتيرة أسرع من ذي قبل.وهنا يطرح سؤال نفسه بقوة، هو، كيف استطاعت فرنسا الإبقاء على حضور دولي ومكانة في أفريقيا رغم هذا التراجع المستمر؟.

لكن عوامل عدة طرأت تدريجاً على المشهد بعد انتهاء الحرب الباردة، أولها الصحوة التي عمت الدول الأفريقية وشعورها بالظلم الذي تمارسه القوى المستعمرة حتى بعد خروجها واستغلال مواردها دون تغير في المستوى المعيشي والاقتصادي للمواطن الأفريقي، فنحد الدولة مثلًا من أكبر الدول المصدرة للنفظ والذهب وشعبها في فقر  وبؤس. والأمر الثاني النمو التدريجي لمصالح أجنبية عديدة في هذه الدول وفي القارة عموماً، وبشكل خاص الصين والهند وروسيا ومعها قوى متوسطة طورت مصالح في القارة على رأسها تركيا وإيران. مقابل ذلك دخل فرنسا والدول الغربية في محاربة المجموعات التي استهدفت الوجود الأجني وعدم استجابة قادتها لمطالبهم، فكان الحوار مع تلك المجموعات والوصول لتفاهمات، ولكن القادة تماهت مع تلك الدول واستخدمت القوة العسكرية في اتجاههم، فتطور الأمر إلى تتطرف وإرهاب لأخذالحقوق. واستجابت فرنسا صاحبة النفوذ، هذه المرة مصطحبة قوات أميركية وغربية، للتصدي لهذه الجماعات المتطرفة لكنها طبقت الاستراتيجية الغربية المتمثلة في توظيف هذه المجوعات اتعزيز وجودها العسكري والسياسي والاكتفاء بعمليات متقطعة في غياب استراتيجية متكاملة لاقتلاع ظاهرة التطرف، أي إنها وظفت الظاهرة للحصول على وجود ونفوذ دائم في هذه المجتمعات من دون مساعدتها بشكل جاد على مواجهة تحدياتها ومن دون حسم هذه المعضلة أي التطرف. بالتالي أصبحت فزاعة تستخدمها للسيطرة على قادة الدول الأفريقية. كما هو الحال في استرتيجية الغرب في الشرق الأوسط. فشعر المواطن أن قادته ارتمت في احضان تلك الدول.

وقعت في السنوات القليلة الماضية انقلابات في أفريقيا الوسطى ومالي والتغيير في بوركينافاسو والانقلاب الأخير في النيجر، مما يعني تقليص ورفض الوجود الفرنسي، بل حملت  القيادات الجدبدة في تلك الدول لتحميل باريس جزءاً رئيساً من اللوم تجاه الأوضاع المتردية في البلاد، وكانت التحركات الشعبية الواسعة والسريعة تعبيراً واضحاً عن عفوية وعداوة متأصلة كانتا في حاجة إلى شرارة كي تنفجر. قابلت فرنسا ذلك التحول بردة فعل ساعدت بقوة في بلورة الاتجاه والنظرة السالبة والعدائيةللوجود الفرنسي، عندما شحنت واستترت خلف رد فعل دول “إيكواس” أي الجماعة الاقتصادية لغرب أفريقيا، فضلاً عن الاتحاد الأوروبي، ولم يكن من شأن هذا إلا بلورة الاستقطاب ضدها. ثم تلا هذا انقلاب الغابون الذي وجد ردود فعل مختلفة حيال تجاوزات الانتخابات الرئاسية التي فاز فيها الرئيس المخلوع علي بونغو، ومع تباين كل من الحالات الخمس للتمرد على النفوذ الفرنسي، أي “مالي وأفريقيا الوسطى وغينيا والغابون والنيجر”، فإن ثمة مفاتيح مشتركة هي القوات المسلحة، واستغلال العداء والرفض الشعبي للنفوذ الفرنسي، ثم بدرجة أقل البديل الدولي –وهو بالمناسبة شديد التعدد (أميركي وروسي وصيني)- غير واضح المعالم[4].

أمريكا والوجود الفرنسي في أفريقيا

يبدو أن الصراع الخفي بين الولايات المتحدة الأمريكية بين فرنسا في أفريقيا، تلعبة أمريكا على نار هادئة. وهذا يعكسه الموقف الأميركي المتباعد من الاندفاع الفرنسي، سواء في التعامل مع انقلاب النيجر أو في تطورات الغابون، فمع إدانة الانقلاب العسكري تفضل واشنطن الحوار والدبلوماسية ولا تشجع التدخل العسكري، كما حرصت على إيفاد سفيرة جديدة كان موعد تسلمها عملها مقرراً من قبل ولم تحاول تأخيره، في رسالة بالغة الدلالة يبدو أن كل الأطراف المعنية تفهمتها، وتأكدت قبلها عندما نفت واشنطن احتمال تورط موسكو في هذا الانقلاب، والمغزى واضح مع وجود عسكري أميركي في النيجر لم يطلب قادة الانقلاب مغادرته، لا هو ولا الوجود الأوروبي الآخر، ومؤداه أن واشنطن مستعدة للتخلص من عبء فرنسا مقابل استمرار النفوذ الغربي أو الأميركي تحديداً، ولتستكمل بهذا ما ذكرناه من قبل في موضع آخر من إزاحة واشنطن لفرنسا من صفقة الغواصات الأسترالية منذ أشهر عدة.

خطوة أفريقية أخرى

أعلنت تشاد ومورتانيا الدولتان المتبقيات في مجموعة دول الساحل والصحراء، تمهيد الطريق أمام حل الإئتلاف الإقليمي المعني بمحارة الإرهاب، عقب انسحاب مالى وبوركينافاسو والنيجر منه. ذلك الإئتلاف الذي تدعمه فرنسا. وسبق لفرنسا أن دعمت هذه المجموعة بنشر قوة عسكرية مشتركة لمكافحة الإرهاب عقب أنشاء الدول الخمس هذه المجموعة في العام2014.غير أن القادة العسكريين في بوركينافاسو والنيجر ومالي اتهموا باريس بلعب دور  مبالغ فيه بعد سنوات من الانتشار الفرنسي على أراضيهم، وأعلنت تلك الدول انسحابها من كافة الهيئات التابعة لمجوعة دول الساحل الخمس، بما في ذلك القوة المشتركة. وأردفت تلك الدول تكوين نظام كوندفدرالي فيما بينها.

كل هذه الخلفيات توضح تآكل الدور الفرنسي الحالي تعبيراً عن سياق وتحول تاريخي في أفريقيا ربما تأخر كثيراً، لكنه الآن يسير بخطوات أسرع، وأن مشروعات الشراكة والشعارات التي رفعها رؤساء فرنسيون متعاقبون -بمن فيهم ماكرون- لم تكن تستند إلى جهود مخلصة حقيقية تسمح لفرنسا بمواصلة نفوذها المبنى على دعائم هشة. وهذا يعكس بدوره ضعف الاستراتيجية التي تعاملت بها فرنسا مع دول أفريقيا. وتعاملت معها بنفس استعماري، بعيدًا عن الواقعية.

مستقبل فرنسا في أفريقيا

الاستراتيجية الفرنسية للمنطقة بُنيت على تحليلات خاطئة، لأنها استندت على معلومات وقرارات خاطئة. فكان العامل النفسي حاضرًا ومسيطر على متخذي القرار في الدولة الفرنسية، وهذا ليس شأن فرنسا وحدها ولكنه ديدن كل الدول الغربية التي استعمرت بلدان أفريقيا، وحتى أمريكا الدولة حديثة المنشأ.

تعكس الدراسة التي أعدتها فرنسا عام 2008 التي حملت اسم الكتاب الأبيض، مدى عدم الدراية بأوضاع المنطقة الأفريقية، حيث ذهب الكتاب في تقييمه لأوضاع المنطقة الممتدة من مورتنانيا إلى الصومال التي أعتبرت أن الفشل المتكرر لهياكل وأجهزة الدولة، وانتشار الإرهاب والتطرف الديني وغيرها، كما حدد الكتاب التهديدات علىالمصالح الفرنسية، معتبرًا”مشاكل إفريقيا لها آثار مباشرة على مصالحنا[5]. حيث ترى أن في هذه المنطقة تهديد فقط، بل تعتبرها فرصة كبيرة يًمكن استثمارها  استنادًا على  على تقارير فرنسيى بأن “إفريفيا ليست فقط جزءًا من ماضينا بل هي أيضًا من مستبلنا”،وهذا يعتبر ضعف معلومات والحقائق الصحيحة على ارض الواقع. فتدخلت في العام 2013 عسكريًا في مالي، وغيرها من دول المنطقة. كما لم تختلف المراجعات الاستراتيجية الفرنسية أًجريت في العام2017 عما سبق، وزادت على ذلك أن الجماعات الإرهابية استفادت من التكنولوجيا في تنفيذ مشاريعها، مع وجود حاضنة شعبية لهم، ولكنها لم تراجع سياستها هي التي أفرزت عدم الرضا وسط الشعب الأفريقي من التصرفات الفرنسية في المنطقة. واستمرت فرنسا في غيها واتهمت في مراجعاتها الاستراتيجية في العام2021، ورمت اللوم على الحكومات وهذا كان واضحًا في النيجر، وقالت الحكومات لم تقم بدورها، وأكدت على أن الفعل العسكري أمر ضروري لتقوية الدولة ليولد للقادة احساسًا بالأمان.

إذا صبت الاستراتيجية الفرنسية تجاه دول قارة أفريقيا والتركيز الاستراتيجي بُني على تثبيت الحكومات على حساب الشعوب، مما أوجد حاضنة مجتمعية ضدد الوجود الفرنسي في دول الساحل والصحراء التي كانت نتايجه الانقلابات التي اطاحت بكل الحكومات المحمية فرنسيًا في مالي والنيجر وبوركينا فاسو وأفريقيا الوسطى، عدم القبول بالوجود الفرنسي في تزايد مستمر، رغم إعلان الرئيس الفرنسي ماكرون أن يريد شراكة مصالح مشتركة وتنازل عن استراتيجيات التدخل العسكري. ولكن تكلفة تحسين صورة الفرنسي في منطقة الساحل والصحراء، والوضع الوجودي القديم لا تسندها الموضوعية لأعتبارات متعددة أهمها عدم المقدرة المالية لتكاليف العودة في ظل التنافس الأمريكي الفرنسي في المنطقة ودخول الصين ذات السجل الأبيض في المنطقة علاوة على روسيا وتركيا الأكثر قبولًا في أفريقيا.

[1] – الإرهاب في الساحل الإفريقي- عشرة سنوات من المواجهات المستعصية، حرره أحمد أمل، المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية 2021، ص 192

[2] -ذات المصدر، ص192

[3] – اندبندنت عربية، محمد بدر سليمان، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق،30نوفمبر2023 10:54

[4] – اندبندنت عربية، ،30نوفمبر2023 11:05

[5] – أحمد أمل، الإرهاب في الساحل الإفريقيي- عشرسنوات من المواجهات المستعصية، المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية 2021، ص192

اضف تعليق

لا توجد تعليقاً على هذا التطبيق بعد

شاهد المزيد